ابن قيم الجوزية
50
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
ولهذا فسر السلف الصراط المستقيم وأهله : بأبي بكر وعمر ، وأصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ورضي اللّه عنهم ، وهو كما فسروه . فإنه صراطهم الذي كانوا عليه . وهو عين صراط نبيهم . وهم الذين أنعم اللّه عليهم ، وغضب على أعدائهم ، وحكم لأعدائهم بالضلال ، وقال أبو العالية - رفيع الرياحي - والحسن البصري ، وهما من أجلّ التابعين : « الصراط المستقيم : رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وصاحباه » وقال أبو العالية أيضا في قوله « صراط الذين أنعمت عليهم : هم آل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « 1 » ، وأبو بكر وعمر » وهذا حق . فإن آله وأبا بكر وعمر على طريق واحدة . ولا خلاف بينهم ، وموالاة بعضهم بعضا ، وثناؤهم عليهما ، ومحاربة من حاربا ، ومسالمة من سالما : معلومة عند الأمة . خاصها وعامها . وقال زيد بن أسلم : « الذين أنعم اللّه عليهم : هم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وأبو بكر وعمر » . ولا ريب أن المنعم عليهم : هم أتباعه ، والمغضوب عليهم : هم الخارجون عن اتباعه ، وأتبع الأمة له وأطوعهم : أصحابه وأهل بيته . وأتبع الصحابة له : السمع والبصر ، أبو بكر وعمر . وأشد الأمة مخالفة له : هم الرافضة ، فخلافهم له معلوم عند جميع فرق الأمة . ولهذا يبغضون السنة وأهلها ، ويعادونها ويعادون أهلها . فهم أعداء سنته صلى اللّه عليه وسلم . وأهل بيته وأتباعه من بنيهم أكمل ميراثا ؟ بل هم ورثته حقا . فقد تبين أن الصراط المستقيم : طريق أصحابه وأتباعه . وطريق أهل الغضب والضلال : طريق الرافضة . وبهذه الطريق - بعينها - يرد على الخوارج . فإن معاداتهم الصحابة معروفة . الفاتحة واشتمالها على جميع معاني القرآن وسر الخلق والأمر ، والكتب والشرائع ، والثواب والعقاب : انتهى إلى هاتين الكلمتين . وعليهما مدار العبودية والتوحيد . حتى قيل : أنزل اللّه مائة كتاب وأربعة كتب . جمع معانيها في التوراة والإنجيل والقرآن . وجمع معاني هذه الكتب الثلاثة في القرآن . وجمع معاني القرآن في المفصل . وجمع معاني المفصل في الفاتحة ، ومعاني الفاتحة في إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ( 5 ) [ الفاتحة : 5 ] . وهما الكلمتان المقسومتان بين الرب وبين عبده نصفين . فنصفهما له تعالى وهو « إياك نعبد » ونصفهما لعبده . وهو « إياك نستعين » . وسيأتي سر هذا ومعناه إن شاء اللّه في موضعه . و « العبادة » تجمع أصلين : غاية الحب بغاية الذل والخضوع . والعرب تقول : طريق معبد أي مذلل . والتعبد : التذلل والخضوع . فمن أحببته ولم تكن خاضعا له ، لم تكن عابدا له . ومن
--> ( 1 ) الآل : كل من يؤول إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم بأخص صفاته وأبرز مزاياه وليست الولادة البشرية من خصائص رسول اللّه ، بل هو فيها مثل غيره من البشر ، كما جاء صريحا في كتاب اللّه ، وكما تقتضيه كلمات اللّه . وإنما خصوصيته صلى اللّه عليه وسلم : هي الرسالة والهدى والعلم والحكمة . التي أخرج اللّه بها من الظلمات إلى النور . فآله : هم أتباعه في هذه الرسالة وهداها بقطع النظر عن الزمن والبلد والأب والجد - على علم وبصيرة من ربهم كما أن آل فرعون : هم أتباعه على ظلمه وبغيه وكفره في كل زمان ومكان ، وبأي اسم . وقد صرح اللّه سبحانه بما يقتضي هذا جليا في قوله ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ [ الأحزاب : 40 ] .